أحمد بن محمد ابن عربشاه
458
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
بلاد بها نيطت علىّ تمائمى * وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها « 1 » فغلبت محبة وطنه على قلبه ، ولم يطاوعه على فراقه لشدة حبه ، ثم اعتراه في ذلك الوسواس وأخذ يضرب أخماسا لأسداس ، في وجه الخلاص من هذا الباس ، فرأى المدافعة أولى ، والممانعة عن جوارحه لخاطره أجلى ، ثم افتكر في كيفية المدافعة وسلوك طريق الممانعة ؛ فلم ير أوفق من المصانعة ، وتعاطى أسباب المخادعة ليقف بذلك أولا على حقيقة أمره ، ويعرف معيار خيره وشره ، ويصل إلى مقدار قوته وضعفه ، ورصانة عقله وفهمه وسخفه ، ويسبر حالتي غضبه ورضاه ، ويدرك غور أحواله ومنتهاه ، ثم يبنى على ذلك أساس دفعه وهدم ما يبنيه من قلعته لقلعه . فهبط إلى النمس من الهواء وحفظ شيئا وغابت عنه أشياء ، وسلم عليه سلام المحب على الحبيب ، وجلس منه بمكان قريب ، وخاطبه خطاب ناصح لا مريب ، وابتهج بجواره ، واستأنس بقرب داره ، وذكر له أنه كان وحيدا وعن الجليس الصالح والأنيس الناصح فريدا ، وقد حصل له الأنس بمجاورة النمس ، وأنه صدق من قال ، في هذا المقال : انفراد المرء خير * من جليس السوء عنده وجليس الخير خير * من جلوس المرء وحده فاستمع النمس حديث الزاغ وما طغى بصر بصيرته عن مكايده وما زاغ ، ثم افتكر في نفسه ونظر في مرآة حدسه ، فرأى أن هذا الطير بخبث السيرة مشهور ، وبسوء السريرة مذكور لا أصله زكى ، ولا فرعه علىّ ، ولا غائلته مأمونه ولا صحبته ميمونة ، ولا خير عنده ولا مير ، بل يخشى منه الضرر والضير ، وكأنه فيه قيل :
--> ( 1 ) النيط : البعد . أي بعدت .